ابو القاسم عبد الكريم القشيري
377
شرح الأسماء الحسنى
وإغناء اللّه تعالى لعباده على قسمين : منهم من يغنيه بتنمية أمواله ، ومنهم من يغنيه بتصفية أحواله ، وهذا هو الغنى الحقيقي . سمعت بعض المشايخ ببغداد قال : جاء رجل ببغداد إلى الجنيد فعرض عليه نفسه وماله وسأله أن يباسطه فيما يسنح له من حوائجه ، فقال له : لعلك تحتاج إلى ما معك ، فقال : لا ، فإني رجل موسر ، ولى صامت وعقار وضياع ، فقال : أتريد غيره وتستزيده إلى ما معك ؟ فقال : نعم ، فأخرج خرقة فيها كسوة فحلها وناوله إياه ، وقال له : أضفها إلى ما معك ، فإني لست أحتاج إليها وأنت تحتاج إلى الزيادة ، وصاحب الحال أبدا يجود على صاحب المال ، وصاحب المال عيال على صاحب الحال ، وصاحب المال يشفق وصاحب الحال ينفق ويتخلق مع الخلق بالهمة ، والخلق إلى همة صاحب الحال أحوج منهم إلى نعمة صاحب المال . يحكى أن أبا العباس الفقيه التبان ، وكان موسرا عاد أبا بشر الخياط ، وكان شيخا كبيرا فقال : إن لي ثوبا عرضته على كثير من الخياطين ، وأردت أن يقطفوا لي منه ثوبا لنفسي فقالوا : لا يتم لك منه ثوب ، فقدر أنت لعله يجيء ببركتك منه ثوب واسع ، فقدره أبو بشر فوجده لا يجيء منه ثوب واسع كما أراد ، فقال : يجيء إن شاء اللّه تعالى كما تريد ، وحمل الثوب إلى حانوته واشترى من ماله قطعة توافق ذلك الثوب وخاطه كما أراد وحمله إليه فسر به أبو العباس التبان ، فقيل لأبى بشر في ذلك : إن جود الفقير مع الغنى أتم من جود الغنى مع الفقير . وأما المانع في وصفه جل جلاله فيكون بمعنى منع البلاء عن أوليائه ويكون بمعنى منع العطاء عمن شاء من أوليائه وأعدائه ، فإذا منع البلاء عن أوليائه كان